السيد محمد تقي المدرسي

470

من هدى القرآن

[ 61 ] إن خوف هؤلاء من التقصير يدفعهم نحو العمل ، بل المبادرة إليه . هاء : أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ التسابق بين هؤلاء ليس في الشهرة ، بل في عمل الخير ، وهذه صفة نقيضة لما يعيشه التجمع المنافق ، فبينما يلهي أولئك التكاثر في الأموال والأولاد ، ترى هؤلاء يتسابقون إلى الخيرات . وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ وهذه الآية تحتمل معنيين : الأول : إن أنفسهم مجبولة على الخير ، والعطاء ، والعمل ، وهذه الصفات ليست وليدة ظرف معين ، بل وليدة صفة راسخة في النفس ، فمع أنهم يتصدقون الآن مثلًا ، ولكن أنفسهم قبل هذه الصدقة كانت تحمل هذا المعنى الخير ( مساعدة الضعيف ) . الثاني : المبادرة فهم دائماً يسبقون غيرهم للخير ، إذ يكتشفون مجالات ووسائل جديدة للعمل الرسالي ، وهذا ناتج عن الهم الذي يحملونه لتطوير مسيرتهم وتحركهم ، مما يدفعهم باتجاه البحث عن المجالات والأبعاد الجديدة للتقدم بمسيرة العمل ، أو لمواجهة العقبات والمشاكل التي تعترضه . إن هؤلاء يسعون دائماً لنيل رضى الله ، فيفكرون في أساليب جديدة للعمل ويطبقونها . [ 62 ] وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا الله هو الذي خلق الإنسان ، وهو أعرف بقدرته وطاقته ، فلا يكلفه إلا بقدرها ، وعلى الإنسان أن يسعى في طريق الخير قدر جهده وتمكنه ، فإذا فعل ذلك سقط عنه التكليف ، وإلا فما دامت به بقية مقدرة فهو مسؤول . فما دام الإنسان قادراً يجب أن يعمل ، وبقدر الاستطاعة يجب أن يعطي ، وبقدر وسعه يجب أن يسعى ، فلا يقل أحدنا : إني عملت ، وأنجزت المهمة الكذائية وكفى ، وإنما ينجز مهمة لينتقل إلى غيرها ، كما قال الله تعالى : فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ [ الشرح : 7 ] . فإذا انتهيت من عمل فانصب إلى غيره . ولا يقل أحدنا أنه انتهى الواجب فقد قال تعالى : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [ الحجر : 99 ] . فالعمل واجب حتى الموت . ونستفيد من الآية الكريمة أن مسؤولية كل إنسان حسب قدرته ، فالقوي تختلف مسؤوليته عن الضعيف ، والعالم عن الجاهل ، والمسؤول عن الفرد العادي و . . ، ولعل الآية تشير أيضاً إلى الرفق بالنفس في العمل ، فلا يهلكن أحدنا نفسه ، ولا يحملها فوق طاقتها ، وقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام قال : [ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله : إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ وَلَا تُكَرِّهُوا عِبَادَةَ الله إِلَى عِبَادِ الله فَتَكُونُوا كَالرَّاكِبِ الْمُنْبَتِّ الَّذِي لَا سَفَراً قَطَعَ وَلَا ظَهْراً أَبْقَى ] « 1 » .

--> ( 1 ) في الكافي : ج 2 ص 86 .